تكتب إيما جراهام هاريسون وكيكي كيرسزنباوم  أن خمسين عامًا من الحياة في جنوب وادي الأردن انتهت في يوم واحد، حيث انهار محمود إسحاق (55 عامًا) وهو يهدم منزل العائلة ويستعد لمغادرة القرية التي شهدت حياته كلها. بينما حمل الأطفال الأسرّة والثلاجة وأكياس الطحين وحقائب الملابس على شاحنة، رافق جنود إسرائيليون مقطعًا لشاب فلسطيني على حمار، يصوّر نفسه مبتسمًا وعلامة النصر تزين يده.

 

يشير الجارديان  إلى أن قرية رأس عين العوجة، التي تضم نحو 135 عائلة، كانت أكبر القرى البدوية في هذه المنطقة من وادي الأردن، وبقيت الأخيرة بعد أن أجبرت موجة من العنف المتصاعد من المستوطنين – حرقًا وسرقة جماعية واعتداءات وتخويفًا وتدميرًا للممتلكات – القرى المجاورة على الفرار.

 

العنف المستمر والسيطرة الاستيطانية

 

احتلت المستوطنات الإسرائيلية أكثر من 250 كيلومترًا مربعًا في هذه المنطقة، بينما كان البدو يربون ماشيتهم قبل عقد. يوضح الدكتور درور إتكيس، مؤسس مجموعة مراقبة المستوطنات "كيرم نافوت"، أن المستوطنين تمكنوا من تهجير الفلسطينيين من الأراضي المخصصة لهم دوليًا لدولتهم المستقبلية، مستغلين ضعف السكان وانشغال الإعلام والسياسة في مناطق أخرى.

 

بدأ المشروع قبل حرب غزة، لكنه تصاعد لاحقًا مع انشغال العالم بالصراعات الأخرى، مستخدمين الرعاة المراهقين والأبناء البالغين القليلين لإدارة القطيع، وترهيب وإبعاد الفلسطينيين عن أراضيهم. الشباب الذين يقودون هذا المشروع ينتمون إلى برنامج حكومي مخصص للشباب المعرضين للخطر، ويعملون بإمكانيات بسيطة لكنها فعّالة، مدعومين سياسيًا وماليًا من وزراء يمينيين مثل وزير المالية بيزاليل سموتريتش.

 

التهجير القسري وأثره على العائلات

 

قطع المستوطنون الطرق وقطعوا الكهرباء ومضوا بين المنازل ليلاً، ما أجبر 26 عائلة، أكثر من 120 شخصًا، على المغادرة خوفًا على حياتهم. ترك هذا الانسحاب العائلات المتبقية في خط المواجهة، مثل عائلة إسحاق، التي استشعرت الخطر وقررت مغادرة قريتها لاحقًا.

 

تواجه العائلات صعوبات مالية، إذ كلف استئجار شاحنة 1,800 شيكل، بينما يفتقر بعض السكان مثل نائف الجعّال إلى أراضٍ بديلة، ما يجعل البقاء محفوفًا بالمخاطر وليس خيارًا قائمًا على الأمل.

 

المشروع الاستيطاني والدعم الرسمي

 

يشرح الخبراء أن الطموحات الاستيطانية ليست مبادرة هامشية، بل مشروع طويل الأمد تدعمه أحزاب متعددة في إسرائيل منذ خطة يغال ألون بعد احتلال الضفة الغربية عام 1967، بهدف إنشاء شريط أمني على طول وادي الأردن. استخدمت الطرق المرسومة في الخطة لتسهيل السيطرة على الأراضي، حيث تساعد المستوطنات القائمة على التوسع التدريجي للسيطرة على المناطق شبه الصحراوية التي كانت تستخدم للرعي.

 

يستغل المستوطنون المراهقون المسلحون بمعدات الدولة السيطرة على الأراضي، ويحتفلون على وسائل التواصل الاجتماعي بالتهجير القسري للقرى كخطوة نحو “تحرير” الأرض، مستهدفين في النهاية طرد الفلسطينيين من المنطقة بأكملها.

 

الوضع الإقليمي والدولي

 

فرضت كندا وفرنسا والمملكة المتحدة ودول أوروبية أخرى عقوبات على المستوطنين العنيفين واعتراف بعضهم بالدولة الفلسطينية، لكن العمليات على الأرض مستمرة بسرعة متزايدة. يشير الحقوقيون مثل ساريت ميشايلي إلى أن الجناة معروفون، بما في ذلك المستوطنون العنيفون والمسؤولون الحكوميون الذين يمولون وينفذون التهجير القسري، بينما يظل المساءلة الدولية بعيدة جدًا.

 

يبرز هذا التقرير مأساة سكان رأس عين العوجة كنموذج للتطهير العرقي المنظم في وادي الأردن، حيث يشهد الفلسطينيون تهجيرًا قسريًا مدعومًا من الدولة والمستوطنين الشباب، في ظل غياب أي حماية فعلية أو مساءلة عن العنف.



https://www.theguardian.com/world/2026/jan/14/settlers-violence-ethnic-cleansing-west-bank-village